نحن الآن نملك مواطنا عربيا تحت يده أحدث الأجهزة والسيارات، وأحدث منجزات التكنولوجيا، ولكنه لا يملك العقلية العلمية التي يستطيع بها أن يدير كل هذا فهو مستهلك وليس منتجا.. متلق وليس مبدعا. ولذلك أعتقد أن العرب في السنوات القادمة لن يستطيعوا أن يقدموا أي اسهام حضاري ولكنهم يستنشقون كل معطيات الغرب. وهذا سيؤدى إلى ظهور إحدى الشخصيتين: إما شخصية تواجه هذا وتبحث عن جذورها وتستطيع أن تصنع لنفسها عطاء جديدا دون ان تتخلى عن تقاليدها وشخصيتها مثل اليابان. أو شخصية تضيع في طوفان
توفيق الحكيم: الكتابة عمل غير مجدِ. لو عدت شابا لاتجهت إلى أي طريق آخر غير الكتابة لأن الكتابة هي مجهود في صحراء لا يسفر عن شي
مازلنا في القرن الثامن عشر وليس في القرن العشرين. وأعنى ان تفكيرنا مازال تفكير القرن الثامن عشر فحتى الآن، ليس في بلادنا طبقة ثقافية مفكرة متينة الأساس عندنا، أولا، ناس في حالة أمية هجائية أي لا يقرأون ولا يكتبون. وهؤلاء أقل الناس خطرا. لأن ثمة عظماء، مثلا، كانوا لا يقرأون ولا يكتبون. لكنهم بنوا. فمحمد على، على سبيل المثال، بنى دولة هو الذي لا يقرأ ولا يكتب. كما أعرف أناسا أميين فى الريف. لكن عقولهم حقيقة، بمنتهى النقاء والتألق، مع انهم لا يكتبون ولا يقرأون
والواقع، ان الخطورة تكمن في هؤلاء الذين يقرأون ويكتبون ولكنهم أميون فكريا. أي اما انهم لا يقرأون بالقدر القليل من التعليم الهجائي الذي اكتسبوه، أو انهم استطاعوا أو يستطيعون ان يقرأوا من دون ان يفهموا. وتلك هي الغالبية. فالناس اليوم في غالبيتها لا تفهم أو لا تريد ان تفهم. وتكتفى بالإشاعات عن طريق الأذن. فتسعون بالمائة ممن تقابلهم تجد ان لديهم معلومات في كل شيء تقريبا.
لكنها معلومات قائمة على الاشاعات نعم، انهم يكونون أراءهم عن طريق الاشاعة والسماع وهكذا لابد من التساؤل: هل الناس اليوم قادرة على فهم الكتابات المعقولة؟ انهم يفهمون خطأ يفهمون الأشياء بالعكس. ولذلك، أجد انني أضعت وقتى في تأليف الكتب ولو اتجهت فى طريق آخر غير الكتابة لكانت النتيجة أفضل. فلو انصرفت، مثلا، الى الزراعة، بدلا من الكتابة، لكانت الخبرة الزراعية (أسفرت عن محاصيل.. وكذلك الأمر بالنسبة الى النشاطات الأخرى، مثل الصناعة والتجارة.. وانما في الكتابة والقراءة، فأنت ترمى بمجهوداتك كلها في صحراء لا تنبت شيئا.
وأقولها اليوم بوضوح: لو عدت شابا لاتجهت الى أي طريق آخر غير الكتابة، لان الكتابة، وأكرر، هي مجهود فى صحراء لا يسفر عن شيء. وفى الغالب، لو عدت شابا لاتجهت الى القضاء. فدراستي، في الأساس، هي القانون. ولو اخترت من البداية هذا الطريق، لكنت اليوم قاضيا على المعاش أشغل نفسي في أمور متعددة، مثل التردد على النوادي الرياضية، والاعتناء بصحتي، ولكان لى عائلة وأولاد وأحفاد أنظر إليهم، وأتطلع الى مستقبلهم وهم يشيبون. أي ان اهتماماتي عندئذ هي اهتمامات رجل لعب دوره فى الحياة وأدى خدمة معينة ثم احيل الى المعاش. أما الكاتب أو المفكر، فانه يظل يفكر الى ان يسقط ميتا لوحده أو مقتولا. لماذا؟ لان المفكر لا يستطيع الا أن يفكر. والتفكير مستمر بالنسبة اليه، على الدوام: مستمر على فراش المرض، أو عند السفر وفى حالة الغني أو الفقر كما في حالة الجوع أو الشبع انه تفكير لا ينقطع. فآلة الفكر لابد ان تعمل، مثل القلب تماما. والمشكلة، أنك لا تضمن ان تفكيرك يصل سليما الى الناس الذين تفكر لهم ومن أجلهم.
الكتابة، كما تكشفت لي، بعد هذا العمر الطويل عمل غير مجد. فهل قرأ الذين يتهجمون على، وبعضهم حرض على قتلى، كتاباتي؟ فأنت تكتب في العالم العربي لناس يسمعون عن طريق الاشاعة ولا يريدون ان يقرأوا ليفهموا أو ليحللوا لماذا قلت هذا الرأي أو ذاك. فإذن الكتابة اليوم في عالمنا غير مجدية إلا إذا كنت تكتب لأغراض أخرى غير غرض نشر الأفكار الجديدة أو الاصلاحية. كما ان التجربة علمتني ان الكتابة ليست مجدية أيضا على الصعيد المادي. فثمة جهات تحاصر الكاتب إذا كانت آراؤه لا تخدم مصالحها. في االمقابل،فثمة جهات مستعدة للان» تدفع» للكاتب الذي يروج لأغراضها. وهذا خلاف ما يحدث في الغرب عموما. فأنت لا تسمع هناك بكاتب تعرض الى الهلاك، أو الى الاغتيال أو العنف لأنه عبر عن آراء معارضة لا ترضى الرأي العام. ففي الغرب، يتمتع الكاتب بحرية الرأي ويرد عليه بالرأي، وليس بالعنف، كما يجرى عندنا، على سبيل المثال، حيث الناس لا تقرأ وتكتفى بتبني الاشاعة. رحمة الله على والدي اسماعيل الذي كان يريد ان يجنبني طريق الأدب. فقد كان يعرض مخاوفه من اتجاهات الأدبية بصراحة، ويردد أمامي ان واجبه كأب ان يوجه ابنه الى الطريق المأمون والأدب ليس بالطريق المأمون ولابد لي بالتالي في عرف والدي من وظيفة تعولني ولا بأس معها من اشباع هوايتي للأدب. لقد كان يعارض احترافي الأدب. والآن تكشف لى انه كان على حق لقد اشتهرت بسبب الأدب. وهذا صحيح. لكن المرء يمكن ان يشتهر في أي نشاط أو قطاع حينما يتقن عمله ويتفوق فيه.
نعم. والدي كان على حق. فالأدب سبب لى الكثير من المتاعب واللعنات. وذلك بسبب تعلق الناس - في بلادنا - بالإشاعة. ومثالي البسيط على ذلك «عودة الوعي». بعد الاتهامات التي وجهت الى عند صدور الكتاب، أعدت قراءته مرة ثانية وثالثة ورابعة، لمراجعة آرائي. فأنا رجل بطبعي أحب الحق والحقيقة. بمعنى انه لا يمكن ان أتحدى الحقيقة أو أعتز برأي قلته واتضح انه خاطئ. ففي الحال أصحح نفسي لأن الرجوع الى الحق فضيلة. وإذا اتضح لى انى أخطأت - وأحيانا كثيرة لابد ان أخطئ - فأنني أصحح على الفور ما قلت وأعترف بخطأي صراحة ولما أثار كتاب «عودة الوعي (الضجة اياها، علما انى أحب جمال عبد الناصر وكان يحبني ووقف بجانبي باستمرار، تساءلت في قرارة نفسي: هل أسأت حقيقة الى عبد الناصر؟ ورجعت الى الكتاب ولم أجد فيه اساءة.
سبب تقدم الأمم الأوروبية: مركز المرأة والمطر!
لماذا احتقر أبي العلاء المعري المرأة وحط من قدرها
توفيق الحكيم شبعنا دساتير. أنا لا تهمني الدساتير. إنما شخصية الحاكم!
في حوار لتوفيق الحكيم مع الدكتور غالي شكري، قال الحكيم:
آثار كتاب عودة الوعي الضجة إياها، علما أني أحب جمال عبد الناصر وكان يحبنى ووقف بجانبي باستمرار. تساءلت في قرارة نفسي: هل أسأت حقيقة إلى عبد الناصر؟ ورجعت إلى الكتاب بنية أن أصحح نفسي ، أو أن أؤلف كتابا آخر أصحح فيه ( عودة الوعي ) . والله ما وجدت سطرا واحدا يمكن ان أشطبه لانى لم أتعرض الى عبد الناصر كشخص اطلاقا . فلم أطعنه في شخصيته أو في مواقفه الأخلاقية أو السياسية ككل . أبدا . أنا قلت انني كنت مع الثورة وعبد الناصر ووثقت فيه منذ اليوم الأول لدرجة ان بعض الناس سألونى : كيف تتخذ هذا الموقف المؤيد من عبد الناصر وهو الذي ألغى الدستور . فكيف تقبل كمفكر حر بحاكم يلغى الدستور ؟ فأجبت: أنا لا تهمنى الدساتير. وانما شخصية الحاكم . لقد شبعنا دساتير.
وكانت الحكومات المتعاقبة تأتى بدساتير ثم تحكم بأساليب فاسدة. فالمهم ان يكون الحاكم نظيفا . وشباب ثورة يوليو هم فى غاية النظافة ، حتى ولو ألغوا الدستور. باختصار ، أنا مع الرجل الصالح. وهكذا ، استمر تأييدى لعبد الناصر.
وبعد ذلك ، وجدت ان النظام الذي اعتبرته في حكم الصالح بدأ يبتعد عن الديمقراطية . الدستور ليس مهما ، وانما المهم التطبيق . فالثورة كانت في بدايتها نظيفة بصرف النظر عن الأخطاء الدستورية التى تنبه لها مختلف الجهات السياسية من يسار ويمين واخوان مسلمين وكل هؤلاء من المتمرسين بالسياسة والحكم. وقلت : آنذاك : أنا لست مع منتقدى الأخطاء الدستورية . بل يمكن ان نضحى بالدستور وبالنظم السياسية من أجل شباب نظيف ليس له مطامع غير خدمة البلد باستقامة ونظافة.
بعد ذلك ، رأيت ان النظام بدأ يتخذ شكلا ديكتاتويا فرديا بوليسيا . وفى البداية ، كنت أعطى الثورة بعض التبريرات فأقول قد تكون الثورة أخذت هذا المنحى لاعتبارات أمنية بغرض الدفاع عن كيانها في وجه الأعداء ، الى ان وجدت فى النهاية ان المسألة وصلت الى حد غير مقبول، خصوصا عندما يلجأ النظام الى تعذيب بعض المواطنين لمجرد الشبهة ، فيتم اقتيادهم إلى المعتقل ويعذبون بأساليب تقشعر لها الأبدان . فقلت : هل ان المسئولية هنا على عبد الناصر بالذات أم على أعوانه ؟ بل ما هي نسبة مسئولية عبد الناصر : عشرون .. ثلاثون بالمائة على سبيل المثال ؟ وهل هو على علم بما يمارسه معاونوه من تعذيب في المعتقلات . تساءلت بحثا عن اجابة مقنعة.